
تفتح التعيينات الأخيرة التي شهدها القصر الرمادي (رئاسة الجمهورية)، إلى جانب سلطة التنظيم وديوان الوزير الأول، باباً واسعاً للقراءة السياسية والإستراتيجية حول توجهات المرحلة المقبلة؛ إذ يعكس استدعاء شخصيات تكنوقراطية ذات خلفيات دولية وتفاوضية ثقيلة رغبة حقيقية وإصراراً متزايداً من الرئاسة والحكومة على التصدي الصارم لملفات الفساد والإصلاح الإداري، إلى جانب حلحلة الأزمات الشائكة في قطاع الاتصالات، وتنظيم الصحافة، وتهيئة المناخ للحوار الوطني المرتقب.أولاً: إصرار السلطة على حسم ملف الفساد والحوكمةتأتي هذه الخطوات لتؤكد وجود توجه صارم لدى رأس السلطة التنفيذية للقطع مع ممارسات التسيير الشكلي وسوء التدبير في القطاعات الحيوية:استراتيجية التصدّي للفساد الإداري والمالي: إن الاستعانة بأطر صُقلت خبراتها في مؤسسات دولية ومالية محوكمة (كالبنك الدولي والبنك المركزي الموريتاني) وتجربت إدارة المنشآت الوطنية الكبرى يُعبر عن إرادة حاسمة لتطهير المؤسسات الخدمية والتنفيذية من الثغرات التي اتسعت سابقاً.الرقابة والمحاسبة: تجسد التغييرات في ديوان الوزير الأول وسلطة التنظيم توجه الحكومة نحو تفعيل أجهزة الرقابة، وإلزام جميع الجهات الحكومية والشركات المتعاقدة بأعلى معايير الشفافية ودفاتر الالتزامات.ثانياً: سيد أحمد ولد الرايس.. هندسة التوازنات وتحدي إصلاح قطاع الاتصالاتيمثل تعيين سيد أحمد ولد الرايس على رأس المجلس الوطني لسلطة التنظيم خياراً يحمل أبعاداً تتجاوز الإدارة التقليدية للقطاع الخدمي:رصيد تفاوضي وسياسي لحلحلة الأزمات: يُعد ولد الرايس من أبرز الشخصيات التي تمتلك نفَساً تفاوضياً ودبلوماسياً مجرباً، تجلى في إدارة ملفات معقدة كـ اتفاق داكار (2009)، إلى جانب تجاربه القيادية السابقة على رأس مؤسسات سيادية مثل البنك المركزي الموريتاني وميناء نواكشوط المستقل (ميناء الصداقة). وتتزامن عودته إلى الواجهة في وقت تستعد فيه البلاد لإطلاق حوار وطني شامل؛ مما يجعل وجود شخصية بسياسية وتفاوضية بهذا الوزن رافعة إضافية لتعزيز مناخ التهدئة والانفتاح.معالجة الاختلالات بسلطة التنظيم: تأتي هذه الخطوة لوضع حد للتسيير الهش والتساهل مع الشركات؛ حيث يُنتظر منه اجتثاث الشبهات والممارسات التي أضرت بكفاءة المنصة إدارياً ومالياً.حسم ملف الجيل الخامس (5G) وتردي الخدمات: يأتي التعيين لوضع حد لتراخي الشركات الثلاث واستمرار اضطراب شبكات الجيلين الثالث والرابع (3G و 4G)، وفرض التزام صارم بالمعايير الفنية والدراسات الدقيقة اللازمة للانتقال التجاري الفعلي والمستقر نحو خدمة الجيل الخامس (5G)، بعيداً عن الحلول الترقيعية.ثالثاً: الطالب ولد سيد أحمد.. خلفية البنك الدولي ورهان تنظيم الصحافةشكل تعيين الدكتور الطالب ولد سيد أحمد مستشاراً برئاسة الجمهورية محطة بارزة لربط الخبرة الدولية بالإصلاح المؤسسي الداخلي:الخبرة في البنك الدولي والمنظمات الدولية: يمتلك ولد سيد أحمد رصيداً أكاديمياً ومهنياً دولياً، تجسد في عمله خبيراً ومستشاراً لدى البنك الدولي وبنك التنمية المغاربي، فضلاً عن تجاربه الوزارية والإدارية السابقة (وزارة التشغيل، وإدارة ميناء خليج الراحة بالعاصمة الاقتصادية نواذيبو).تزامن دالّ مع تقرير “الهابا” وتطهير القطاع: يأتي استدعاؤه إلى ديوان الرئاسة متزامناً مع تسلم السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (الهابا) لتقريرها السنوي؛ مما يشير بوضوح إلى توجه جاد نحو حوكمة القطاع، وتنظيم الصحافة الرقمية والإعلام المستقل، وسد منافذ الفساد والأنماط الطفيلية التي تضر بالحقل الصحفي.رابعاً: ديوان الوزير الأول.. التكامل المؤسسي واليد الممدودة للحوارلم تكن التغييرات في ديوان الوزير الأول بمعزل عن هذا التوجه؛ بل جاءت لتكمل الحلقة الإدارية والتنفيذية:تناغم الأداء وتطبيق الشفافية: يهدف ضخ الكفاءات والتخصصات الحقوقية والإدارية في ديوان الحكومة إلى تسريع وتيرة تنفيذ التوجيهات الرئاسية المتعلقة بالإصلاح الإداري ومحاربة الفساد.مواكبة الحوار الوطني: يعزز اختيار شخصيات تتمتع بالقبول والمرونة الإدارية سياسة “اليد الممدودة” والانفتاح على القوى السياسية والنقابية والمجتمع المدني، لضمان أرضية صلبة تسبق انطلاق الجلسات التمهيدية للحوار المرتقب.خلاصة “صوت الحق”:إن التعيينات الأخيرة في القصر الرمادي والوزارة الأولى وسلطة التنظيم تعكس حزماً وإرادة سياسية من أعلى مستويات الدولة لمكافحة الفساد وإعادة ترتيب البيت الداخلي؛ عبر وضع رجال دولة أصحاب خبرات تفاوضية ودولية (صُقلت في البنك الدولي والبنك المركزي) لحسم ملفات الاتصالات والصحافة، واجتثاث مكامن الخلل وسوء التدبير، بالتوازي مع دفع مسار الحوار الوطني نحو محطة حقيقية من التوافق والبناء.