




تقف شبه جزيرة “الكويرة”، الفتاة التي ظلمها المستعمر واستباح حماها، والأرض التي أرهقتها التجاذبات الاستعمارية؛ حيث كانت ضحية للتقسيمات والصفقات التي فرضها الاستعماران الفرنسي والإسباني اللذان اقتطعا الجغرافيا الوطنية وتصرفا في تقسيم أرضٍ ليست غريبة عن أصلها وأهلها، بل قسّم المستعمر الغاصب فيها ما لا يملك وأعطاه لمن لا يستحق.
وعلى الرغم من هذه الظروف التاريخية القاسية، ظلت الكويرة حية في الوجدان والذاكرة الوطنية الموريتانية، وترتبط بالهوية والتاريخ الموريتاني ارتباطاً وثيقاً. وتتجلى هذه الرابطة الوجدانية والاجتماعية في أبهى صورها من خلال تسمى العديد من المواطنات الموريتانيات بأسماء هذه الأراضي (مثل “الكويرة” و”تيشلا”)، تكريماً لها وتأكيداً على تجذرها في الذاكرة الشعبية والهوية الوطنية عبر الأجيال. وفي ظل المعطيات القانونية والتعقيدات الجيوسياسية الإقليمية، يبرز التواجد الأمني والعسكري الموريتاني كضرورة استراتيجية لمنع الفراغ الأمني، وحماية الحدود الشمالية والغربية للبلاد من أن تكون منطقة مستباحة أو ملاذاً لأي تهديد.
الإطار القانوني والتحديات الدستورية
تثير التفاهمات والاتفاقيات التاريخية المرتبطة بالمنطقة – وعلى رأسها اتفاقية 1979 – نقاشات قانونية وسياسية مستمرة. وتتأكد القراءة القانونية هنا في أن أي ترتيبات مسّت الوضع الترابي أو الأمني لم تُعرض حينها على برلمان منتخب للبت فيها وتأكيد شرعيتها الدستورية. ومن هذا المنطلق، يظل الباب مفتوحاً أمام قراءة قانونية تكرس الحق الطبيعي والمشروع لموريتانيا في حماية حريمها الترابي وتأمين حدودها وفق ما تمليه السيادة الوطنية، ما لم تُسترد قانونياً بالكامل.
حماية الشريان الاقتصادي الوطني
لا تتوقف أهمية التأمين الموريتاني للكويرة عند حدود المفهوم الجغرافي، بل تمتد لتشكل حزام أمان حيوياً للاقتصاد الوطني. فبالقرب من هذه المنطقة (التي كانت تسمى بدخلة نواذيبو سابقاً) يمر قطار خامات الحديد الموريتاني (سكة حديد سنيم)، الذي يُعد أطول قطار في العالم، قادماً من الزويرات ومتجهاً إلى موانئ نواذيبو، حاملاً العمود الفقري للميزانية والصادرات الوطنية والوثيق المنجمي للبلاد. إن فرض السيطرة الأمنية والمراقبة الدقيقة على هذا الشريط الضيق يمنع أي خطر قد يهدد انسيابية هذه الصادرات الحيوية.
تأمين الثروة البحرية والعمران الاقتصادي
تُعد المياه المتاخمة لشبه جزيرة الكويرة من أغنى المناطق بالثروة السمكية. ويشكل التواجد الموريتاني هناك أداة لحماية المياه الإقليمية والأنشطة البحرية المترتبة عليها، ورادعاً أمام الاستغلال غير المنظم للموارد. كما أن هذا التأمين يُعيد الاعتبار لمنطقة “داخلة نواذيبو” بوصفها قطباً اقتصادياً وحرةً استثمارية تتطلب بيئة آمنة مستقرة للتوسع العمراني والصناعي.
الخلاصة
إن التعاطي الموريتاني مع ملف الكويرة اليوم يمثل دوراً مسؤولاً في حماية الأمن القومي وتأمين الحدود والمقدرات الوطنية. إن فتح النقاش القانوني حول وضعيتها وتثبيت الأهمية الاستراتيجية للتواجد الموريتاني بها يعززان من صون كرامة التراب الوطني وضمان المصلحة العليا للأجيال القادمة.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى