
صوت الحق – نواكشوط: لم تكن الانقطاعات الشاملة التي أغرقت العاصمة نواكشوط في الظلام لعدة ساعات مجرد خلل عابر، بل جاءت نتيجة لضربة مزدوجة تعرضت لها المنظومة الكهربائية من خلال حريقين متتاليين أثارا علامات استفهام كبرى حول إجراءات السلامة وجودة الصيانة.
تفاصيل وأسباب الحادثتين:
حريق المحطة الشرقية (الماكينات المتهالكة وشبكات التوزيع): اندلع الحريق الأول في محطة التحويل الشرقية نتيجة ضغط الأحمال العالية وتراجع كفاءة المولدات القديمة. تسبب الخلل الفني في اشتعال خلايا التوزيع الأساسية وقواطع الجهد، مما أدى لخروج المقاطعات الشمالية عن الخدمة بشكل كامل.
حريق محطة نواكشوط الغربية (ماس كهربائي وغياب منظومات الإطفاء الذاتي): بعد مرور أربع وعشرين ساعة فقط، وقعت الكارثة الثانية في محطة التحويل الغربية (جهد 33/15 كيلوفولت) جراء ماس كهربائي ناتج عن تلف في العوازل الفنية. وغاب عن المحطة نظام المكافحة التلقائية للحرائق، مما أدى لامتداد النيران بسرعة إلى خطوط الربط الرئيسية المحذية للمحطة.
اندماج الأزمتين والتساؤل الحرج:
أدى تقاطع الأضرار في المحطتين الشرقية والغربية إلى انهيار مفاجئ في توازن الشبكة الكهربائية الوطنية (Grid Collapse). ولم تعد الانقطاعات مجرد تخفيف أحمال جزئي، بل تحولت إلى شلل تام أثر على المرافق الحيوية؛ بدءاً من الخطوط المغذية لمطار نواكشوط الدولي وميناء تانيت، وصولاً إلى توقف شبكات المياه والمراكز الصحية.
وهنا يبرز التناقض الجوهري: كيف تسعى الدولة والمؤسسات المعنية لتنفيذ مشاريع ربط وشبكات لتزويد دول الجوار—باماكو ودكار—بالكهرباء، على غرار اتفاقيات سد مانانتالي، في حين تعجز المنظومة الداخلية عن تأمين العاصمة نفسها؟ إن توجيه الاستثمارات نحو العقود الإقليمية قبل تمكين وتقوية البنية التحتية الوطنية يطرح علامات استفهام حول ترتيب الأولويات؛ إذ أظهرت الحادثتان أن العاصمة ستبقى عرضة للشلل ما لم يُعَد بناء شبكة أمان داخلية تصمد أمام الأزمات الميدانية.