حدَّث الراوي يحياوي قال: بينما كنتُ أطوي الفيافي على ظهرِ مَركَبٍ مَيَّاد، ومَعِي الحَكِيمُ «ديلول» يَرْصُدُ الروَّاد، حَطَطْنَا الرِّحالَ بمَدينَةِ «كَيْفَه» وقد قَلَّتْ فيها الأمْطَار، وجَفَّتْ مَنابِعُها وزادَ الإقْتَار، فاستَعَاضَ القَوْمُ عَن خَضارِها بكَثْرَةِ أدْخينه الحَطَبِ وتَبَدُّدِ الغُبار.فإذا بنا أمامَ عشوائيةٍ تتجدَّدُ كأنَّها متتاليةٌ حسابيةٌ عبر الأحقاب، يُجسِّدُ فيها كلُّ يومٍ أَمْسَهُ، ويَتَكَرَّرُ الحدَثُ بذاتِ الأرْقامِ والأسباب! رأينا القَوْمَ يَتْرُكُونَ ظِلاَلَ الأشْجَارِ والمَبَانِي لِلأَبْقَار، وَيَجْلِسُونَ هُمْ فِي هَجِيرِ الشَّمْسِ الـمَحْرُوقَة، يُصَاعِدُونَ أدْخِنَةَ الـمَطابِخ بينَ الجُدْرَانِ العَصْرِيَّةِ والصَّفَائِكِ العَتِيقَة في تخطيطٍ مجنون، ويَقْتَطِعُونَ الخَلاءَ ليَحُوِّلُوا المَدِينَةَ إلى مَضْرِبٍ مَستَبَاح، يَرْتَحِلُونَ فيه معَ الريحِ كُلَّما هَبَّت!فالتَفَتُّ إلى الشيخِ «ديلول» وقُلتُ: «يا حَكِيمَ العَصْرِ، ما هذه السَّلْسَلَةُ المتَكَرِّرَة، والمُعادَلَةُ التَّفاضُلِيَّةُ المَحْمُومَة؟»فَفَكَّ «ديلول» رُمُوزَ المَشْهَد، وَكَشَفَ عَنْ مُعَادَلَتِهِ قائلاً: «يا بنيّ، إنَّها متتاليةُ الشَّقَاءِ الحسابِيَّة؛ حَدُّهَا الأوَّلُ بَدَاوَةٌ في القُلُوب، وفَارِقُها الثَّابِتُ جهْلٌ بالدَّرُوب! تَتَكَرَّرُ في مثلِ هذا اليومِ من كُلِّ سَنَةٍ عبر الأحقاب، فيَجْعَلُونَ الظِّلَّ لِلأَنْعَامِ وَالشَّمْسَ لِلأَبْدَان، ليَبْقَوْا كمَنْ يَسِيرُ فِي مَهَبِّ الرِّيح، لا اسْتَقَرَّ بِهِ بَدْوٌ وَلا طَابَ لَهُ حَضَرٌ!»وخَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى الأزِقَّةِ بَعْدَ أَنْ تَهَاوَتْ ظِلاَلُ الـمَضَارِبِ العَتِيقَةِ، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى صَدَى الخَطَوَاتِ الـمُتَسَارِعَةِ نَحْوَ الـمَجْهُولِ؛ بَيْنَمَا كُنْتُ أَرْقُبُ مَعَ دِيلُولَ أَطْرَافَ الوَادِي وَالضَّبَابُ يَلْتَفُّ حَوْلَ التِّلاَلِ، حَامِلاً مَعَهُ أَسْرَاراً جَدِيدَةً تَكْشِفُ جَانِباً آخَرَ مِنْ تَارِيخِ الـمَكَانِ الـمُغَيَّبِ!ثُمَّ أَنْشَدَ دِيلُولُ وَقَال:تَظُنُّ المَدِينَةَ بالسِّيَاجِ تُمَلَّكُ … وَالرِّيحُ تَعْصِفُ وَالمَبَانِي تُهْلَكُجَعَلُوا الظِّلاَلَ لِكُلِّ سَائِمَةٍ مَضَتْ … وَالشَّمْسُ لِلإنْسَانِ فِيهَا تُسْلَكُمُتَتَالِيَاتُ الجَهْلِ فِيهِمْ عُودَةٌ … فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ دَوْماً تُشْرَكُوَقَضَى «دَيْلُولٌ» بِالحَقِيقَةِ عَِبْرَةً … مَثَلُ الحِمَى كَكَلاَمِهِ لا يُـمْسَكُ!
المقامة الغزوانية – الحلقة العاشرة: مسافر في مهب الريح
القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.
تابع «صوت الحق» على هاتفك
مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
آخر الأخبار
البيــــــــــان الصادر عقب اجتماع مجلس الوزراء الموريتاني3 ساعات مضت
إلزامية العرف الشرعي: بلديّة “ساني” تقرّ وثيقةً جديدةً لتنظيم الأعراس3 ساعات مضت
المأمورية الثالثة بين زوبعة التملق وفيتو المعارضة: هل تدخل موريتانيا نفق الاستقطاب السياسي؟11 ساعة مضت