الخميس 17 سبتمبر 2026
ثقافة وأدب وفن

نواميس الطبيعة والأمكنة: حين ينطق نخيل المجرية بمداد الإبداع​ ،وحنين وذكريات (شعر)

القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.

في هذه الأيام التي اشتد فيها الفيض اللاهب، واقتربت تباشير طلع النخيل لتعلن قرب موسم “الكيطنة”، يقف القلم متأملاً في جغرافيا موريتانيا الأعماق. وبينما يركض البعض بخطى قاصرة خلف العناوين العابرة والتقارير الجافة وحدهم، نرى أن واجبنا الصحفي والوجداني يحتم علينا كسر هذا القحط الإعلامي بتوثيق نبض الأرض عبر “أنسنة الأمكنة” المنسية التي يبحث عنها المغترب في منافيه والسائح في ترحاله، والتي يسلو عنها الجميع.
​إن هؤلاء الذين يطالبون بحصر المواقع في الأخبار العابرة يغفلون أننا أشبعنا الميدان تقاريراً وتحقيقات استقصائية مبسطة لامست هموم الشارع وعكست أفراحه وأطراحه، مثلما حلقنا بالنخبة سابقاً في فضاء الفانتازيا السياسية الرمزية عبر مرآة سلسلة “وادي المرايا”. واليوم، نأتي بمرجعيتنا التعددية لنصوغ لوحة شعرية وجدانية مستوحاة من هذا الفيض اللاهب، لتقرب تفاصيل الوطن للمغترب في منافيه البعيدة، وتكشف للسائح عن أصالة أماكننا المهمشة، وخصوصاً نخيل المجرية العريق الذي يجسد أصالة الأرض وحنينها.
​إننا نعود هنا إلى الأصل؛ فالشعر كان في السابق — ولا يزال في الحاضر — هو الذي يحفظ المآثر ويخلّد ذاكرة الأمة، وهو الأداة الأبقى والأقدر على الصمود في وجه النسيان وتوالي الأزمان، حين تموت الأخبار اللحظية العابرة.
​ومن هنا، وجب التوضيح لأولئك الزملاء الذين يظنون بأنهم يملكون وصاية على ما نكتب، ويعاتبونني على الجمع بين الصحافة ونشر القصائد؛ إنني لا أتحكم في كوني صحفياً يملك

في ذات الوقت قلماً شعرياً يفيض بالوجدان أحياناً، وليس من حق أحد مصادرة هذا القلم أو توجيهه. إن لجوء الكاتب إلى موقعهم ليتعاون معهم أو ينشر فيه، لا يعني أبداً مصادرة قلمه الشرعي أو تركه لحقه في حفظ نتاجه الفكري والأدبي من الضياع، بعيداً عن فضاءات “الفيسبوك” المستباحة، والتي يسهل فيها على أي عابر أن يسرق الكلمة، ويسلخ الجهد، ويحذف اسم صاحبها بنقرة زر.
​ومن هذا المنطلق، أؤكد لكم جميعاً أننا سأعمل لاحقاً على نشر سلسلة مقالات ولوحات شعرية متكاملة على أن يكون “وادي عبقر” رمزاً شعرياً فقط؛ لتبقى الكلمة حرة وشاهدة على العصر.
​وليعلم الجميع أننا لسنا ملكاً لأي أحد، ولا يمكن لكائن من كان أن يوجهنا ماذا نكتب أو كيف نكتب. نحن أحرار بأقلامنا، نكتب ما نشاء، ونحن وحدنا من نحدد القالب الذي نريد التعبير به؛ سواء كان شعراً، أو نثراً، أو فانتازيا. القلم الحر لا يقبل التقييد ولا الإملاءات، وستبقى كتاباتنا دائماً الحارس الأمين لنبض الشارع وعمق الهوية معاً، فالشعر عندي ليس مطيةً للمدح أو الذم، ولا وسيلةً للشكر أو التشهير، بل هو جوهر الأدب ومرجع الإبداع؛ أخلده فقط ذكراً لكتاباتي في حضن الطبيعة التي أخاطبها وأخاطب نواميس الطبيعة، وأسعى لخلودها فيها.
​وهنا أقول لمن انتقدوا تكثيفي للكتابة الشعرية مؤخراً، إن خوض غمار الأدب جاء من نواميس الطبيعة ولم يكن إلا محاولة لنفض الغبار عن مدننا الموريتانية المهمشة؛ حيث يتجلى في ثنايا الأبيات بُعدٌ رمزيٌّ عميق، أَنَّسَنَ فيه الشاعر مدينة “المجرية” وشبّهها بالفتاة الحسناء وبالمهَاة في جمالها وأصالتها، فكان هذا النتاج انتصاراً لنبض تلك الأرض المنسية، وتخليداً لنخيل المجرية الشامخ.
​قصيدة: حنين وذكريات
​يَا فَتَاةً مِنْ تَكَانَتْ فِي السُّهُولِ … قَدْ تَجَلَّتْ بَيْنَ رَوْضٍ فِي الْحُقُولِ
طِيفُهَا الْعَذْبُ أَتَى مِثْلَ النَّسِيمِ … فَأَعَادَ النَّبْضَ لِقَلْبِيَ الْعَلِيلِ
وَسَوَاقٍ مِثْلُ أَلْحَانِ الشُّعُورِ … وَخَرِيرُ الْمَاءِ فِي صَوْتِ الْهَدِيلِ
وَمَمَرٌّ بَيْنَ نَخْلٍ وَغَدِيرٍ … بَيْنَهُ رَوْضٌ وَفِي ظِلٍّ ظَلِيلِ
كَمْ صَعِدْنَاهُ صَبَاحاً وَمَسَاءً … وَبَلَغْنَا ذِرْوَةَ الْمَجْدِ النَّبِيلِ
مَنْزِلُ النُّزْهَةِ فَوْقَ الْجِبَالِ … فِي بَهَاءِ النُّورِ وَقْتَ الأَصِيلِ
عِنْدَهَا عُوَيْنَةٌ كَالْعَبَرَاتِ … مَاؤُهَا يَنْضَحُ مِثْلُ السَّلْسَبِيلِ
تَيَّمَتْنِي بِعُيُونٍ كَالْمَهَاةِ … فَسَبَانِي سَعَفُهَا مِثْلُ الْجَدِيلِ
أَهْجَشَتْ عِنْدَ وَدَاعِي بِالدُّمُوعِ … ذَرَفَتْ مَجْرِيَّتِي مَاءَ السُّيُولِ
أَنْتِ بَدْرٌ مُسْتَنِيرٌ فِي الدُّيَاجِي … وَلَيَالٍ قَدْ تَجَلَّتْ فِي الأُفُولِ
وَهَوًى بَيْنَ هِضَابٍ وَشِعَابٍ … وَنَسِيمٍ ضَاحِكٍ بَيْنَ الْفُصُولِ
فَسَبَتْ كُلَّ الَّذِينَ قَدْ رَأَوْهَا … فَأَصَابَتْهُمْ بِسِحْرٍ وَذُهُولِ
إِنْ تَرَاءَتْ مِنْ بَعِيدٍ لِلْقُلُوبِ … كَسَحَابٍ مَرَّ فِي وَادٍ هَطُولِ
كَالثُّرَيَّا إِنْ بَدَتْ فِي نَاهِدَيْهَا … تَتَجَلَّى فِي صُعُودٍ أَوْ نُزُولِ
يَا لَغِيدٍ هَيَّجَتْنِي بِتِكَانْتَ … تَيَّمَتْ بِاللَّحْظِ وَالطَّرْفِ الْكَحِيلِ
فَتُغَنِّي بِالصَّدَى لَحْنَ الْخَرِيفِ … وَالْغَوَانِي فِي خُجُولٍ وَحُجُولِ
فَأَنَا ابْنُ السَّوَاقِي وَالمَجَارِي … بِيَدِي طَلْعُ لِقَاحٍ مِنْ فَسِيلِي
بِفُؤَادِي دِكْلَةٌ ثُمَّ إِنْتِتَامَا … قَدْ أَقَامُوا صَرْحَهُمْ مَجْدَ الأَثِيلِ
فَاسْقِنِي يَا شَوْقُ مَاضِيَّ الْوِصَالِ … وَاحْفَظِ الْعَهْدَ لِتَارِيخٍ طَوِيلِ
هُهُنَا جِئْتُ إِلَيْكِ بِانْتِمَائِي … وَحَنِينِي ذِكْرَيَاتٌ لِلنَّخِيلِ

بقلم: محمد الأمين ولد يحيى يحياوي

تابع «صوت الحق» على هاتفك

مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
نواكشوط نواذيبو أطار أكجوجت ازويرات تجكجة روصو ألاك كيهيدي سيلبابي كيفة العيون النعمة موريتانيا
نواكشوط تغطية متواصلة 24/7 17 سبتمبر 2026
آخر الأخبار
البيــــــــــان الصادر عقب اجتماع مجلس الوزراء الموريتاني3 ساعات مضت
إلزامية العرف الشرعي: بلديّة “ساني” تقرّ وثيقةً جديدةً لتنظيم الأعراس3 ساعات مضت
المأمورية الثالثة بين زوبعة التملق وفيتو المعارضة: هل تدخل موريتانيا نفق الاستقطاب السياسي؟11 ساعة مضت