الخميس 17 سبتمبر 2026
تحقيقات وتقارير

موريتانيا.. فوضوية استنساخ النقابات وتطابق الأسماء.

القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.

كيف قتلت الهياكل الوهمية الصحافة المستقلة؟

نفتح في هذا التقرير ملفاً شائكاً يتجاوز رصد الهياكل إلى فك شفرات فلسفة الإفساد التي نخرت جسد الصحافة الموريتانية، حيث تحول الحقل من منبر للتنوير إلى ساحة للمناحرات البينية وتصفية الحسابات الضيقة. إن ما نشهده اليوم من انتحال للمسميات وشجار محموم على الشرعية المفقودة ليس إلا نتاجاً لسنوات من المضايقات الممنهجة؛ وهي ذات الانقسامات التي منحت الذريعة للدولة لتمارس سياسة الإقصاء الممنهج، مبررة ذلك بكثرة الهياكل التي تعيق التنظيم، كما تجلى بوضوح في حرمان العديد من الطواقم من التغطية خلال زيارة الرئيس السابقة لمدائن التراث بـ وادان، حيث ضاعت الحقوق بين مطرقة الفوضى وسندان التغييب الرسمي.جذور التبعية وأدلجة الأنظمة > لقد لاحظتُ منذ زمن بعيد أن فوضى استنساخ النقابات والروابط في ظل جمهورية اليافطات الزائفة سبقت حتى ظاهرة تطابق أسماء المواقع، التي غدت تشبه بعضها بعضاً كأسنان المشط، وكلاهما ينبع من جذر واحد: غياب الجدية والمهنية، والفوضوية، والعشوائية. وإليكم هذا النموذج الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه اجترار أو تكرار مقصود، صُمم لإيهام الرأي العام بوجود ثقل بشري في هذه الهياكل؛ حيث تتعدد المسميات لنفس الكيان بين (تجمع، نقابة، رابطة، اتحاد، منتدى). والهدف هو التضليل لا أكثر.إن الغريب والمضحك المبكي في آن واحد، هو أن هذه اللافتات أصبحت أكثر تعداداً من عدد الأحزاب السياسية في البلاد! فكيف لبلد كموريتانيا أن يحتمل كل هذا التشرذم إلا إذا كانت الغاية هي تفتيت الجهود وإغراق المهنة في وحل التبعية؟فإذا نظرنا حولنا، نجد أن دولاً كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية (التي تكتفي بنقابة وجمعية للمحترفين)، أو دولاً عريقة كـ مصر (التي تكتفي بنقابة واحدة قوية) وتونس والمغرب، لا تعرف هذا التشرذم، فكيف لموريتانيا أن تحتمل 22 من هذه الكيانات الصورية؟اللائحة الكاملة لـ 22 هيكلاً في مهب الريح > إن بسط هذه الأسماء أمام القارئ ليس مجرد سرد، بل هو توثيق لهذه الحالة من التشرذم الممنهج، وإليكم هذه اللائحة:نقابة الصحفيين الموريتانييناتحاد إعلاميات موريتانياتجمع الصحافة الموريتانيةرابطة الصحفيين الموريتانييناتحاد المواقع الإخبارية الموريتانيةشبكة الصحفيات الموريتانياتاتحاد الصحفيين الموريتانيينمنتدى الصحافة المستقلةرابطة الصحافة الموريتانيةاتحاد الناشرين الموريتانيينالجمعية الموريتانية للصحافة الإلكترونيةنادي الصحافة الموريتانيالمركز الموريتاني للصحافة الدوليةتجمع إعلاميي موريتانياالمنظمة الموريتانية للإعلاميينالرابطة الوطنية للصحافة الموريتانيةاتحاد الصحافة الرياضية الموريتانيةتجمع ناشري الصحافة الموريتانيةمنتدى الإعلام الموريتانيالرابطة الموريتانية للصحافة العلميةاتحاد الإعلاميين المستقلينالهيئة الموريتانية للصحافة الاستقصائيةفهذه اليافطات التي راهنّا على كتابة أسمائها كاملة وبسطها أمام القارئ لنؤكد أنها ليست كذباً بل واقعاً مريرًا، هي ذاتها التي تلتهم نصيب الأسد من ميزانية الصندوق البالغة 340 مليون أوقية. وتحت بنود وهمية كإيجار المقرات، يُترك الصحفي الحر يواجه “رصاصة الكلمة القاتلة” دون سند أو حماية.صالونات السمسرة: مطابخ التملق والأختام المزورة > في هذه الصالونات الضيقة، تغيب الأجندات التحريرية وتحضر قوائم “المنع” و”المنح”؛ حيث تتحول النقابة إلى مكتب سمسرة يساوم على المواقف مقابل فتات التمويلات. هنا، تُطبخ البيانات في مطابخ التملق، وتُوزع الأدوار بين “رؤوساء” لا يملكون من الصحافة إلا أختاماً مزورة، مهمتهم الأساسية هي إغراق المشهد بالضجيج كلما ارتفع صوت يطالب بالإصلاح الحقيقي.الهابا وصحافة البلاط: هندسة التمييع وحارس “هيكل الفساد” > لم تكن الهابا يوماً جهة تنظيمية تسعى لترقية الحقل، بل أُسست من جينات تلك الحقبة لتكون العسس وخفراء أنظمة الفساد السابقة، والمظلة الرسمية التي زُرعت في ذلك الوقت لرعاية هذه اليافطات الكرتونية. ولم تكن هذه الفوضى لتستمر لولا تداخل سياسة أخرى لا تقل خطورة، تمثلت في تغذية “صحافة البلاط” المقربة من القصر الرئاسي – والتي يمكن تسميتها وتلقيبها بـ “الصحافة الشبه رسمية” – تلك الدوائر التي مارست دوراً خبيثاً في تفتيت المكونات الصحفية الجادة وضمان احتكار القرب من السلطة. > وهنا يبرز هذا التواطؤ الصريح، حيث وفرت الهيئة بالتكامل مع صحافة البلاط الغطاء القانوني والشرعية الزائفة لتمرير “حقائب النفع” والمتاجرة بهموم المهنة.لقد وظفت السلطة آنذاك هذه الأدوات لتكون آلية تفتيت بامتياز، مهمتها تأبيد الفوضى عبر التحالف مع “دكاكين السمسرة” لضمان بقاء المشهد الإعلامي تحت السيطرة والهبوط، وهو الإرث الثقيل الذي لا يزال جاثماً على صدر المهنة. إن سياسة “تفتيت المفتت” التي نراها اليوم هي نتاج هذا التواطؤ التاريخي، حيث تحولت الهيئة إلى مهندس لإفساد الحقل وشراء الولاءات وتغييب الصحافة الجادة.لذا، وجب على الدولة الحالية، التي راهنت على محاربة الفساد كخيار استراتيجي، أن لا تترك جزءاً من أشلاء ذلك الإرث البائد ينخر في جسد المهنة، بل عليها المبادرة فوراً بإصلاح “الهابا” وتطهيرها. إن التفتيش يجب أن يطال هذه المؤسسة لمساءلتها عن هذا التواطؤ التاريخي في تبديد أموال الحقل أمام السلطات المختصة بمكافحة تبييض الأموال؛ لكشف مصادر تلك التدفقات وكيفية ضخها في الأذرع المشبوهة، وذلك لتفكيك هياكل الفساد التي نخرت جسد المهنة وطحنها من الداخل..نظافة البلاط وبصيص الأمل في الإصلاح > إن هذه المسرحية الهزلية يجب أن ينتهي عرضها فوراً؛ فالحل ليس في ترميم دكاكين السمسرة، بل في كنسها من المشهد تماماً، والاكتفاء بهيكل أو اثنين يمثلان الهم المهني بصدق، بعيداً عن “الانحرافية” التي قتلت روح الاحتراف الصحفي. ولن يستعيد الحقل الإعلامي عافيته إلا حين تسقط هذه العروش الورقية وتعود للمهنة هيبتها الضائعة، وتتحول من “حقائب نفعية” إلى حصون حقيقية تحمي كرامة الصحفي وحريته.وفي هذا السياق، يبقى الأمل معقوداً على خطوات الإصلاح الجادة التي أقدمت عليها السلطة مؤخراً، من خلال تعيين مستشار جديد مكلف بالإعلام في الرئاسة، وهو أكاديمي ودكتور متخصص في المجال، مما ينبئ بإمكانية إحداث نقلة نوعية والمساهمة في تنقية هذا الحقل وتطهيره من التراكمات السابقة، لتنظيف البلاط ووضع السجادة الحمراء أمام الوافدين الجدد من الصحفيين الأكفاء. >وختاماً، فقد أكدت المنظمات العالمية والحقوقية الدولية المختصة بالصحافة كمراسلون بلا حدود وغيرها، على أن السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (الهابا) في موريتانيا، ومعها تلك الهياكل الموازية، كانت متواطئة وهي التي تسببت في هذا التردي، مشددة على ضرورة حماية الحقل من سطوة الرشوة والمال السياسي.بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيىالمصدر: وكالة «الإعلامي» + صوت الحق

تابع «صوت الحق» على هاتفك

مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
نواكشوط نواذيبو أطار أكجوجت ازويرات تجكجة روصو ألاك كيهيدي سيلبابي كيفة العيون النعمة موريتانيا
نواكشوط تغطية متواصلة 24/7 17 سبتمبر 2026
آخر الأخبار
البيــــــــــان الصادر عقب اجتماع مجلس الوزراء الموريتاني3 ساعات مضت
إلزامية العرف الشرعي: بلديّة “ساني” تقرّ وثيقةً جديدةً لتنظيم الأعراس3 ساعات مضت
المأمورية الثالثة بين زوبعة التملق وفيتو المعارضة: هل تدخل موريتانيا نفق الاستقطاب السياسي؟11 ساعة مضت