
تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية في الشرق الأوسط على مبدأ محوري يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة الفوضى وتفتيت المفتَّت. تهدف هذه العقيدة إلى تحييد العمق الإقليمي عبر تغذية الصراعات الداخلية وتكريس الانشغال الذاتي لدى القوى المحيطة، مما يتيح لها فرض معادلات أمنية جديدة والاستفراد بالجبهات المباشرة.
يتحرك هذا المخطط بدفعٍ من خشية متأصلة لدى الإستراتيجية الإسرائيلية من نشوء دولة عربية أو إسلامية قوية وموحدة، قادرة على امتلاك قرارها الاستراتيجي، وحشد طاقاتها لاسترداد القدس والأقصى. لذلك، تسعى تل أبيب لاستباق أي مشروع نهضوي جامع بتفكيك الكيانات الكبرى وإبقائها في حالة استنزاف دائم.
يتجلى ذلك في امتداد أذرعها إلى القرن الأفريقي عبر التعشيش والتغلغل في الصومال وإريتريا وجنوب السودان لبناء نقاط ارتكاز تطوق البحر الأحمر، بالتوازي مع استغلال الانقسام في اليمن وسوريا، وصولاً إلى محاصرة إيران وتجريدها من أوراقها الإقليمية لتسهيل الاستفراد بها، مما يضمن تمزيق النسيج الوطني للساحات ومنع تشكل أي قوة رادعة.
يتكامل هذا التفتيت الإقليمي لتعطيل أي تقارب قد يشكل تهديداً وجودياً، مما يمنح تل أبيب حرية الحركة العسكرية للاستفراد بالجبهات المحاذية لها في غزة وجنوب لبنان. وفي المقابل، تصطدم هذه الهندسة بصخرة الدول ذات المؤسسات الصلبة والجيوش الوطنية المتماسكة، وفي مقدمتها مصر، التي تظل الجدار الأخير الحامي لتوازنات المنطقة.
إن هذه الاستراتيجية الجديدة للكيان الإسرائيلي تعيد صياغة المخطط القديم للتوسع؛ فلم تعد الحاجة قائمة لاحتلال الأرض بالقوة العسكرية لترسيم “إسرائيل الكبرى” من النهر إلى البحر، بل أصبحت الهيمنة الفعالة تتحقق عبر إضعاف الجوار وتفتيته، لتبسط نفوذها المطلق على منطقة مفككة عاجزة عن المواجهة، كما هو حاصل اليوم في السودان واليمن وسوريا.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى