بقلم : يحياوي محمد الأمين ولد يحيى حَدَّثَنَا رَاوِي السِّنِينَ وَمُرَاسِلُ الهَامِشِ العَارِفُ، قَالَ: رَمَتْنِي الرِّيَاحُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى أَرْضِ “نَوَادِيبُو” الأَبِيَّةِ، وَأَنَا أَحْمِلُ مَعِي أَمَلَ الجَائِعِ فِي وَجْبَةِ حُوتٍ هَنِيَّة، وَطُمُوحَ البَاحِثِ عَنِ الحَقِيقَةِ فِي بَلَدٍ حَارَتْ فِيهِ الأَقْدَارُ، حَيْثُ تَلْتَقِي أَمْوَاجُ البَحْرِ بِعِنَادِ اليَبِسَةِ، وَحَيْثُ تَتْرَاقَصُ سُفُنُ الصَّيْدِ عَلَى أَنْغَامِ الأَمْوَاجِ العَاتِيَةِ.فَبَيْنَمَا أَنَا أَتَمَشَّى عَلَى الشَّاطِئِ أَسْتَبِينُ الخَبَرَ، وَأُقَلِّبُ الطَّرْفَ فِي شَوَاطِئِهَا وَأَبْحَثُ عَنِ “السَّمَكَةِ” المَوْعُودَةِ حَتَّى لَقِيتُ مِنْ سَفَرِي هَذَا نَصَبَاً، إِذْ بِيَ أَلْمَحُ شَخْصاً عَلَى نَاصِيَةِ الشَّطِّ كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَدَرِ، مُتَوَشِّحاً بِدِرَاعَتِهِ الخَضْرَاءِ، مُلْتَفّاً بِلِثَامِهِ الأَخْضَرِ الذِي يُذَكِّرُنِي بِلِثَامِ البَادِيَةِ القَدِيمِ، وَأُصْفِي الأُذُنَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِالحِكْمَةِ وَالعِبَرِ، فَإِذَا هُوَ شَيْخُنَا الحَكِيمُ “دِيلُولُ”، قَدْ سَبَقَنِي إِلَى هُنَاكِ كَأَنَّهُ يَرْقُبُ أُفُقَ البَحْرِ العَبَابَ، وَيُنَاجِي السَّحَابَ.فَدَنَوْتُ مِنْهُ بِحَذَرٍ مُسَلِّماً، وَقَدْ أَدْهَشَنِي حُضُورُهُ الطَّاغِي، فَقُلْتُ لَهُ كَمَا قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: “آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَا، يَا أَبَا الحِكْمَةِ، مَا بَالُكَ فِي نَوَادِيبُو تَرْقُبُ العَبَابَ؟ أَتَفِرُّ مِنْ صَخَبِ العَاصِمَةِ وَالأَحْبَابِ، أَمْ تَطْلُبُ صَيْداً غَيْرَ السَّرَابِ، وَهَلْ أَجِدُ عِنْدَكَ عِلْماً أَوْ قُوتاً يَقُوتُ رُوحِي وَجَسَدِي؟”فَنَظَرَ إِلَيَّ دِيلُولُ بِلِثَامِهِ الذِي يَحْجِبُ غُبَارَ الدَّهْرِ مُبْتَسِماً، وَقَالَ بِلِسَانٍ قَاطِعٍ كَالسَّيْفِ وَبِنَبْرَةِ العَارِفِ البَصِيرِ: “يَا بُنَيَّ، لَيْسَ الهَرَبُ مَنْجًى، وَإِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟ أَتَسْأَلُ عَنِ السَّمَكَةِ وَأَنْتَ فِي بَلَدٍ يُصَدِّرُ الرِّزْقَ وَيَجُوعُ فِيهِ أَهْلُ الدَّارِ؟ إِنَّ الأَمْوَاجَ هُنَا تُخْبِرُنَا بِمَا يَخْفَى فِي العَاصِمَةِ! انْظُرْ إِلَى هَذِهِ السُّفُنِ التَّائِهَةِ فِي العُبَابِ، تُرْخِي الشِّرَاعَ لِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ تَعُودُ حَازِمَةً لِلرِّزْقِ أَوِ الخَرَابِ. أَمَا إِنَّ السِّيَاسَةَ فِي بِلَادِنَا كَبَحْرِ نَوَادِيبُو؛ مَنْ لَمْ يُحْسِنِ العَوْمَ فِيهَا، غَرِقَ مَعَ أَوَّلِ مَوْجَةٍ تَعْلُوهَا!”ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ، فَأَخَذَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ مَآسِيَهَا بِنَبْرَةٍ تَقْطَعُ القَلْبَ: “انْظُرْ يَا بُنَيَّ إِلَى هَذِهِ ‘المَنْطِقَةِ الحُرَّةِ’؛ لَقَدْ حَرَّرُوهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الفَقْرِ وَالضِّيَاقِ، فَصَارَتْ مُقَيَّدَةً بِأَغْلَالِ المَصَالِحِ. وَتِلْكَ السِّكَّةُ الحَدِيدِيَّةُ، أَلا تَرَاهَا؟ تَحْمِلُ خَيْرَاتِ الأَرْضِ فِي جَوْفِ قِطَارٍ لَا يَتَوَقَّفُ، لِيَمْضِيَ الرِّزْقُ بَعِيداً عَنَّا، وَيَتْرُكَ خَلْفَهُ غُبَاراً يُعْمِي البَصَائِرَ. وَانْظُرْ هُنَاكَ، حَيْثُ تَقِفُ ‘لَكْوِيرَةُ’ بِحَارِسِهَا الصَّامِتِ، تَنْتَظِرُ مَنْ يَفُكُّ عَنْهَا قَيْدَ العَزْلِ وَالصَّمْتِ، بَيْنَمَا البَوَارِجُ تَهْدِمُ فُرَصَ صَيَّادِينَا، وَتُعَبِّدُ طَرِيقَ الهِجْرَةِ لِشَبَابِنَا خَلْفَ المَجْهُولِ!”وَزَادَ دِيلُولُ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ وَيَسْتَطْرِدُ بِلَهْجَةٍ حَزِينَةٍ نَاقِدَةٍ: “وَهَا هِيَ المَدِينَةُ التَّائِهَةُ الَّتِي كَانَتْ مَتْرُوكَةً سَائِبَةً، بَيْنَمَا هِيَ ثَغْرُ البِلَادِ وَبَوَّابَةُ الأَمَلِ المُمْتَدَّةُ نَحْوَ أُورُوبَّا، تَلْتَفِتُ إِلَيْهَا المَخَاطِرُ وَتَحْفُّ مِيَاهَهَا المَهَالِكُ وَالغَرَقُ! كَيْفَ يُتْرَكُ هَذَا الشَّرِيطُ البَحْرِيُّ الخَطِيرُ يُمَاجِجُ المَوْجَ دُونَ حِمَايَةٍ تُحِيطُهُ وَتَحْفَظُهُ؟ وَقَدْ جَاءُونَا اليَوْمَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ مَخَطَّطٍ عُمْرَانِيٍّ تَوِجِيهِيٍّ جَدِيدٍ لِلتَّهْيِئَةِ وَالتَّنْظِيمِ، بَعْدَمَا طَالَ التَّخْطِيطُ وَالتَّأْجِيلُ، وَتَقَاطَرَتِ الأَمْوَالُ مِلْيَاراً بَعْدَ مِلْيَارٍ فِي صَنَادِيقِ المَشَارِيعِ! فَهَلْ يَبْنِي المَخَطَّطُ التَّوْجِيهِيُّ سُوراً يَحْمِي الشَّواطِئَ مِنَ الفَوْضَى، أَمْ يَظَلُّ جِبَايَةً لِلْعَقَارِ وَوَعْداً يُطْوَى؟”ثُمَّ انْتَفَضَ دِيلُولُ وَمَدَّ بَصَرَهُ نَحْوَ الأُفُقِ البَعِيدِ ثَائِيَ العَزْمِ: “وَعَجَبِي أَيْضاً مِنْ حَالِ العَابِرِينَ المَشُوقِينَ، حَيْثُ قَذَفَتِ الأَمْوَاجُ خَمْسَةً وَثَلَاثَمِائَةٍ وَعَشَرَةً مِنَ المَهَاجِرِينَ المَكْرُوبِينَ! أَتَوْا فِي خَشَبٍ تَقْذِفُهُمُ الرِّيَاحُ وَالمَهَالِكُ، يَسْعَوْنَ نَحْوَ الفِرَارِ وَالأَمَلِ المَعْمُورِ، فَأَنْقَذَهُمُ الحَرَسُ قَبْلَ أَنْ يَبْتَلِعَهُمُ العُبَابُ فِي دَاهِيَةِ العُصُورِ، لِيَبْقَى هَذَا المَشْهَدُ المَأْسَاوِيُّ شَاهِداً عَلَى مِيناءِ يَعِجُّ بِالمَخَاطِرِ وَالمُفَارَقَاتِ، وَبَلَدٍ يُرَوِّجُ لِلتَّخْطِيطِ وَالتَّنْمِيَةِ بَيْنَمَا مِيَاهُهُ حُبْلَى بِالآهَاتِ!”ثُمَّ أَنْشَدَ دِيلُولُ يَقُولُ:أَتَيْنَا نَوَادِيبُو نُرِيدُ سَكِينَةً … فَأَلْفَيْنَا أَمْوَاجَ الحَيَاةِ تَثُورُنَرَى السُّفُنَ البَيْضَاءَ تَمْرَحُ فِي الجَوَى … وَرِزْقُ العِبَادِ بِالمَزَارِ يَبُورُبَحْرٌ بَلَاءٌ وَفِي المَوَانِي ضَيَاعُ … وَمِنْ “حُرَّةٍ” قُيِّدَتْ بِالوَجَعِ أَوْجَاعُوَسِكَّةٌ تَحْمِلُ خَيْرَ البِلَادِ لِغَيْرِ أَهْلِهَا … وَلُكْوِيرَةٌ حَارِسٌ… وَبِالصَّمْتِ تُبَاعُوَمِيَاهُ ثَغْرٍ فِي المَخَاطِرِ أُهْمِلَتْ … فَتَقَاذَفَتْ نَحْوَ الحُتُوفِ جُمُوعُثَلَاثُمِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَةَ عَشْرَةٍ … قَدْ أَنْقَذُوهُمْ وَالعُيُونُ دُمُوعُفَقَالَ لَنَا دِيلُولُ هَذَا مَقَالُهُ … عَبَابُ البِحَارِ لِلرِّجَالِ صُدُورُ
المقامة الغزوانية (الحلقة الثامنة: نسيم نواذيبو وحكمة البحر والمهاجر)
القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.
تابع «صوت الحق» على هاتفك
مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
آخر الأخبار
أنا والرئيس.. أيُّنا أحقُّ بالعلاج في الخارج؟شهر واحد مضت
المقامة الغزوانيةالحلقة الثالثة عشرة: مَفَارَقَةُ الشِّفَاءِ وَعِبَرُ الدَّهْرِ لِلْقَضَاءِشهر واحد مضت
ولد الغزواني يستقبل نظيره السنغالي بمطار “أم التونسي” في توقف فني قادماً من أبوظبيشهر واحد مضت