حَدَّثَ يَحْيَاوِي مُحَمَّدُ الأَمِينِ قَالَ: عَجِبْتُ لِزَمَانٍ انْقَلَبَتْ فِيهِ المَوَازِينُ، وَاسْتُبِيحَتْ فِيهِ المَيَادِينُ، فَصَارَتِ البِلَادُ كَالأَرْضِ المُرَاقَةِ، وَأَمْسَتِ الحُرُمَاتُ مُنْتَهَكَةً بِلَا إِفَاقَةٍ! وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ أَهْلَ المَنَارَةِ جُبِلُوا عَلَى الطِّيبَةِ وَالسَّمَاحَةِ، فَظَنَّهَا الوَافِدُ ضَعْفاً وَاسْتِرَاحَةً! فَتَدَفَّقَتْ عَصَابَاتُ المُلْتَقَطِينَ، مِنْ عُتَاةِ المُسْتَوْطِنِينَ؛ لاَ تَرْزُمُهُمْ وَطَنِيَّةٌ وَلاَ تَزْجُرُهُمْ حَمِيَّةٌ، فَارْتَدَوْا «الدِّرَاعَةَ» وَ«المِلْحَفَةَ» لِلتَّمْوِيهِ، وَتَلَقَّنُوا اللِّسَانَ لِلْخَتْلِ وَالتَّشْوِيهِ! فَاحْتَكَرُوا المَرَاكِبَ وَالعِقَارَ، وَبَثُّوا فِي أَوْصَالِ الدَّارِ سُمُومَ المُخَدِّرَاتِ وَالأَخْطَارِ!
وَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَغْمُوماً، وَالأَسَى فِي الصَّدْرِ مَحْمُومٌ؛ التَقَيْتُ الحَكِيمَ دَيْلُولَ فِي الشَّارِعِ صُدْفَةً، وَإِذَا بِهِ قَائِمٌ يَرْقُبُ المَشْهَدَ وَيَبُثُّ الحَسْرَةَ، حَيْثُ نَصَبَ أُولَئِكِ الأَغْرَابُ مَعَارِضَهُمْ، وَصَارُوا هُمُ الَّذِينَ يَبِيعُونَ تِلْكَ اللُّحُومَ الغَرِيبَةَ مَجْهُولَةَ الأَصْلِ مِمَّا جَنَتْهُ أَيْدِيهِمْ مِنْ كِلَابٍ وَحَمِيرٍ وَقِطَطٍ، وَفَرَضُوا عَلَيْهَا أَعْلَى الأَسْعَارِ فِي عَجَبٍ عُجَابٍ!
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الحَكِيمُ وَقَالَ: «عَجِبْتُ يَا يَحْيَاوِي الرَّاوِي مِنْ هَذِهِ المَفَارَقَةِ وَالطَّامَّةِ! عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ لَا يَبْرَحُونَ! يَبِيعُونَ تِلْكَ اللُّحُومَ الغَرِيبَةَ بِأَغْلَى الأَثْمَانِ، وَيَدُسُّونَ السُّمَّ لِيَبْقَى ابْنُ البِلَادِ فِي قَيْدِ الإِدْمَانِ؟ فَلَمَّا اسْتَغَاثَ القَوْمُ مِنْ هَذَا البَلَاءِ، وَاجْتَمَعَ كُبَرَاءُ الأَمْرِ لِالدَّوَاءِ؛ تَرَكُوا أُسَّ الدَّاءِ، وَخَرَّجُوا مَرْسُوماً يُرَخِّصُ لِشَرِكَةٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ هَكْتَاراً، كَأَنَّمَا يُدَاوُونَ زَحْفَ الِاسْتِيطَانِ بِتَقْسِيمِ الأَرْضِ جَهَاراً!»
ثُمَّ أَنْشَدَ الحَكِيمُ دَيْلُولُ مُتَأَلِّماً:
بِمَنْكِبِنَا غَدَتْ خَرَاباً حِمَانَهْ … وَلِلْمُسْتَوْطِنِينَ بَدَتْ جِنَانَهْ
أَبَا حَاصٍ حِمَى بَلَدِي تَهُونُ … وَصَارَ المُرْتَجَى فِيهَا مُهَانَهْ
تُسَاقُ لَنَا السُّمُومُ بِدَارِ عِزٍّ … وَيَشْرِي القَوْمُ بِالغَالِي بَلَانَهْ
فَلَمَّا اسْتَنْصَرُوا بِالقَصْرِ ذُعْراً … أَتَاهُمْ مَرْسُومٌ قَدْ جَفَانَهْ
وَمَا نَالُوا سِوَى خَيْبَاتِ وَعْدٍ … يَزِيدُ بِمُرِّهِ قَهْراً بَيَانَهْ
───
✍️ بقلم: يحياوي مُحمد الأمين ولد يحيى
المقامة الغزوانية السادسة: الزحف الخفي ومرسوم اللحوم
القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.
تابع «صوت الحق» على هاتفك
مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
آخر الأخبار
أنا والرئيس.. أيُّنا أحقُّ بالعلاج في الخارج؟شهر واحد مضت
المقامة الغزوانيةالحلقة الثالثة عشرة: مَفَارَقَةُ الشِّفَاءِ وَعِبَرُ الدَّهْرِ لِلْقَضَاءِشهر واحد مضت
ولد الغزواني يستقبل نظيره السنغالي بمطار “أم التونسي” في توقف فني قادماً من أبوظبيشهر واحد مضت