
إِلَى أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّي
شِعْرُ: يَحْيَاوِي مُحَمَّدُ الْأَمِينِ وَلَدُ يَحْيَى
يَا أَيُّهَا الْمِيلُ فِي الأَجْفَانِ وَالْمُقَلِ … كَمْ أَنْتَ فِي أَعْيُنِي تَزْدَانُ كَالنُّجُلِ
أَضْحَتْ عُيُونُ أَبِي كَالْكُحْلِ فِي بَصَرِي … تَشْفِي عُيُونِي وَتَجْلُو عَتْمَةَ السُّبُلِ
يَا أَيُّهَا الأَبُ فِي فِكْرِي وَفِي مَنْهَجِي … يَا مَنْ بَنَيْتَ لَنَا مَجْداً عَلَى زُحَلِ
إِنَّ الْعَمَى بَصَرٌ فِي مُقْلَتَيْكَ هُدًى … يَا شَمْعَةَ الْخُلْدِ لَا تَنْطَفِئِي وَانْجَلِي
يَا مَنْ أَعَرْتَ لَنَا بِالنُّورِ اسْماً لَكَ … صِرْنَا رَهِينَيْنِ فِي الْفَرْقَدِ وَالْمَنْزِلِ
يَا شَاعِرَ الزُّهْدِ فِي الْآفَاقِ عَنْ مَغْنَمٍ … إِنِّي بِبَيْتِكَ قَدْ سَكَنْتُ فِي مَعْزِلِي
كُلُّ الْأَخِلَّاءِ فِي كَثْرَتِهِمْ أَعْرَضُوا … أَشْبَاحُ إِنْسٍ وَلَيْسُوا بِالَّذِي يَصِلِ
فَالْزَمْ بِنُسْكِكَ خَلْوَةً تُؤَانِسُكَ … إِنَّ الْفَتَى سِجْنُهُ خَيْرٌ مِنَ الْعُذَّلِ
عَلَّمْتَنَا أَنَّ أَهْلَ الحِجَى بَلْسَمٌ … يَشْفِي بِفِكْرِكَ كَالْتِّرْيَاقِ فِي العِلَلِ
أَقْلَامُنَا كُسِرَتْ كَيْ نَغْتَدِي مِثْلَكَ … طُوبَى لَكُمْ فَالْمَعَرِّي صَارَ لِي مَثَلِي
إِنَّ العَمَى بِالمَعَرِّ لا يُعَيِّرُنِي … مَا دُمْتُ بَيْنَ انْحِطاطٍ عَنْهُ فِي مَعْقِلِي
إِنَّ الصَّحَافَةَ فِي الْأَوْطَانِ مَذْعُورَةٌ … تَرْكُلُهَا أَرْجُلُ التَّنْكِيلِ فِي وَجَلِ
مَرْمِيَّةً دَاخِلَ الْقَصْرِ مُكَبَّلَةً … جَارِيَّةً بَيْنَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالدَّجَلِ
إِنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِالْبَنَانِ غَدَتْ … مَصْلُوبَةَ الْقَوْلِ وَالْأَقْلَامُ فِي خَطَلِ
القَصْرُ يَبني جِدَارَ الصَّمتِ فِي حَذَرٍ … فَوْقَ البِلاطِ يُعيدُ حاجزَ الفشلي
قَدْ حَاصَرُوا كُلَّ مَنْ يَرْجُو تَكَافُلَنا … بَيْنَ الخُنُوعِ وَبَيْنَ الخَوْفِ وَالخَبَلِ
مَا أَسْقَمُ القَصْرِ إِنْ أَغْضَى عَنِ الوجَعِ … يَرْمِي التَّعَاطُفَ فِي أَغْلالِ مُعْتَقَلِ
إِنْ يَمْنَعِ الْقَصْرُ كُلَّ الطِّبِّ عَنْ أَعْيُنِي … ذَاكَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّنْكِيلِ وَالذَّحَلِ
صُنْتُ التَّعَفُّفَ وَالأَقْلَامُ شَاهِدَةً … إِنَّ الْقَنَاعَةَ كَنْزُ الْعِزِّ فِي الْعَمَلِ
رَغْمَ التَّجَاهُلِ وَالإِقْصَاءِ لَنْ أَنْحَنِي … مَهْمَا تَنَادَوْا عَلَى التَّحْيِيدِ بِالْحِيَلِ
إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي خُطُوبِ الدَّهْرِ مَنْ يُسْعِفُ … فَاصْبِرْ لِحُكْمِ الْقَضَا فِي خَلْوَةِ الرَّجُلِ
يَا فَارِسَ الْحَرْفِ إِنَّ الْفِكْرَ مَعْرَكَةٌ … قَدْ صَارَ فِي يَدِ السِّنْدَانِ كَالْمِعْوَلِ
صَانَتْكَ عُزْلَتُكَ الشَّمَّاءُ مِنْ زَمَنٍ … فِيهِ انْحِطاطُ الرُّؤَى، وَكُنْتَ كَالْمَنْهَلِ
مَا بَالُ أُمَّتِنَا قَدْ سَافَرَتْ لُغَةً؟ … وَالظَّاءُ فِي وُكَنَاتِ الطَّيْرِ وَالدُّوَلِ
مَا زَادَ حَرْفٌ بِنَا فِي سِفْرِ مَنْهَجِنَا … عَمَّا حَمَتْهُ عُصُورُ السَّبْقِ فِي الأُوَلِ
يَا ضَيْعَةَ الْحَرْفِ فِي نُطْقِ بَلَاغَتِنَا … نَجْتَرُّ أَلْفَاظَنَا بِالْمَضْغِ كَالْإِبِلِ
مَنَارَةُ الْعِلْمِ فِي شِنْقِيطَ مَحْظَرَةٌ … بِالظَّاءِ تَسْمُو بِلَا عَيْبٍ وَلَا أَفَلِ
قَدْ ظَنَّهَا الْغَيْرُ بِالضَّادِ الَّتِي عُجِمَتْ … وَمَا دَرَوْا أَنَّهَا نُورٌ لِذِي الْأَمَلِ
اللّٰهُ قَدْ طَرَدَ الضَّادَ مِنْ أَسْمَائِهِ … ثُمَّ نَفَاهُ مِنَ المَصْحَفِ بِالزَّلَلِ
لَا تَجْعَلُوا لُغَةَ القُرْآنِ وَصْفاً بِهِي … فَالْعَرَبِيَّـةُ لَا تُنْعَت بِذِي الْعِلَلِ
بِالضَّادِ نَلْهَجُ أَضْرَاساً نَلُوكُ بِهَا … قَدْ طَرَدَ اللهُ هَذَا الْحَرْفَ فِي الْأَزَلِ
لَيْسَ الشِّعَارُ لِهَذَا الْحَرْفِ فِي لُغَتِي … فَالظَّاءُ إِعْجَازُهُ دَوْماً بِلَا مَثَلِ
إِنَّ الطُّيُورَ عَلَى أَصْنَافِهَا وَقَعَت … مِثْلَ الْعُصُورِ عَلَى أَشْكَالِهَا تَمِلِ
كُلُّ القِلَاعِ تَهَاوَتْ حِينَما فَسَدُوا … وَالحُكْمُ يَوْمَئِذٍ لِلْوَاحِدِ العَادِلِ
عِشْنا عُصورَ انْحِطاطٍ في عُروبَتِنا … تَارِيخُ بُوَيْهَ مِنْ إِمَارَةِ الْمَوْصِلِ
صِرْنَا قَبَائِلَ شَتَّى فِي تَقَهْقُرِنَا … نُحْيِي ضَغَائِنَ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي وَائِلِ
تَطْوِي الْجَمَالَ لِأَحْطَاطٍ يُمَزِّقُهُ … فِي غَفْلَةِ الدَّهْرِ بَيْنَ الْعِزِّ وَالذُّلَلِ
عَاشَ الْمَعَرِّيُ فِي بَيْتٍ يُحَاصِرُهُ … صَمْتُ الزَّمَانِ وَقَيْدُ الْهَمِّ فِي الْجَدَلِ
سَنَّ الْمَذَاهِبَ وَالْأَفْكَارَ فَلْسَفَةً … رَغْمَ انْحِطَاطِ العُصُورِ سَارَ فِي المِلَلِ
أَغْلَقْتَ بَابَكَ لَمَّا اسْتَكْبَرُوا وَعَتَوْا … فَهُمْ هَوَوْا نَحْوَ خِزْيٍ غَيْرِ مُرْتَحَلِ
مَا كُنْتَ يَوْماً هَزِيماً فِي اعْتِزَالِكَ بَلْ … مَاتُوا خَفَاءً وَبَاقِي الفِكْرِ لَمْ يَزَلِ
فَاسْلَمْ أَبَا الْفِكْرِ إِذْ نَوَّرْتَ مَنْهَجَنَا … صَارَتْ حُرُوفُكَ لِلأَحْرَارِ كَالشُّعُلِ