حدث راوي السنين يحياوي محمد الأمين قال:لما بلغتُ من العمر عتياً، ورأيتُ الشباب يذبلون في مهاد العشرين، وتجاعيدُ البطالة تخطُّ على وجوههم شقاءَ عقودٍ ستين، سمعتُ التهنئةَ تُزَفُّ في يومِهم، وتُتْلَى بابتسامةٍ على قَومِهِم، فجُبتُ الأزقةَ أبحثُ عن شابٍّ يُسرُّ بالخطاب، أو فتًى يلمسُ في الوعودِ أسبابَ السحاب.فما وجدتُ إلا وجوهَ أصحابِ التسعين! تجاعيدٌ غائرةٌ غطّت أجساداً فتيّة أثقلتْ كواهلَهم المَخاوفُ والأوصاب، يُقلّبون أكفَّ الخَيبةِ في الساحات، ويتساءلون: مَن المَعنيُّ بهذهِ البشارات؟فبينا أنا في حيرتي، إذ مررتُ بالشيخ ديلول، المتحدثِ والناطقِ الرسميِّ الوحيدِ باسمِ المسنين، وهو الشاهدُ العيان الوحيدُ منذ عقودٍ وسنين، والمتكئُ على عصا الخبرةِ والحنين. فقلتُ له: «يا ديلول، أنتَ من عاصرتَ العهودَ وشَهِدتَ الصُّعودَ والهُبوط، أسمِعتَ بتهنئةٍ لشبابٍ هَرِموا، أم بشيوخٍ في التهنئةِ سَهموا؟»فنَفضَ ديلول طَرَفَ لِثَامِهِ، وتكشّفتْ تجاعيدُ وجهِهِ الضاحكِ من طُولِ العَجَبِ، وقال نافثاً زفيراً يافعاً:«يا بني، إني لأرقبُ هذه الديارَ منذ عقودٍ وسنين، وما شهدت عينايَ تهنئةً للشبابِ ولا للمُسِنّين! إنما الخطابُ سَادِرٌ في وَهْمِه، يُلقَى على القومِ بغيرِ رَسْمِهِم.. فاعلم أن التهنئةَ لم تُسَق لبسطاءِ الدار، ولا لشبابٍ أتعبَهم الانتظار، بل هي تهنئةٌ ذاتيةٌ يُزجيها صاحبُ الفخامةِ لشبابِهِ المَصُون؛ إذ هو الوحيدُ الرافلُ في النعيمِ والتمكين، بينما الشعبُ كُلُّه قد شَاب!»وَأَنْشَدَ دَيْلُولُ هَازِئاً فِي خِتَامِ قَوْلِهِ:أَرَى الشَّبَابَ وَقَدْ شَابَتْ نَوَاصِيهِمُ … مِنْ طُولِ مَا انْتَظَرُوا وَعْداً وَمَا ظَفِرُوالَا يَرْتَجُونَ عَمَلاً يَمْحُو مَوَاجِعَهُمْ … وَلَا زَمَانٌ بِطِيبِ العَيْشِ يَزْدَهِرُشَابَتْ شَهَادَاتُهُمْ مِنْ قَبْلِ فُرْصَتِهِمْ … فَقَدْ جَلَاهَا المَدَى وَاسْتُهْلِكَ العُمُرُمَاتَ المَعَاشُ وَلَمْ يَحْظَوْا بِوَظِيفَتِهِمْ … فَاسْتَقْبَلُوا الشَّيْخَ قَبْلَ الشَّيْبِ وَانْكَسَرُوايُهَنِّئُونَ شَبَاباً لَا وُجُودَ لَهُ … إِلَّا عَلَى الوَرَقِ المَطْلِيِّ إذْ ذَكَرُوا
المقامة الغزوانية السابعة: عيد الشباب في تهنئة الشاب الوحيد
القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.
تابع «صوت الحق» على هاتفك
مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
آخر الأخبار
أنا والرئيس.. أيُّنا أحقُّ بالعلاج في الخارج؟شهر واحد مضت
المقامة الغزوانيةالحلقة الثالثة عشرة: مَفَارَقَةُ الشِّفَاءِ وَعِبَرُ الدَّهْرِ لِلْقَضَاءِشهر واحد مضت
ولد الغزواني يستقبل نظيره السنغالي بمطار “أم التونسي” في توقف فني قادماً من أبوظبيشهر واحد مضت