حَدَّثَنَا رَاوِي السِّنِينَ يَحْيَاوِي مُحَمَّدُ الْأَمِينُ قَالَ: شَهِدْتُ المَحَافِلَ تَرْتَقِبُ البَيَانَ المُبِينَ، وَالأَقْلَامَ تَشْكُو جَفَافَ الأَزْمَانِ، حَتَّى غَاضَتِ الأَخْبَارُ فِي المَنَابِرِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صَدَى الخَوَاطِرِ. فَقُلْتُ وَقَدْ غَصَّتِ الحَنَاجِرُ: يَا لِلْكِتَابَةِ الرَّاكِدَةِ، وَالأَيَّامِ الخَامِدَةِ! كَيْفَ نَبْنِي المَقَامَةَ وَالقَوْمُ فِي سُبَاتٍ، وَالأَحْدَاثُ صَامِتَةٌ كَأَمْوَاتٍ، وَالحَوَادِثُ جَامِدَةٌ بِالهَلَكَاتِ؟ وَقَدْ تَزَاحَمَتِ المَرَاكِبُ فِي طَوَابِيرِ المَحَطَّاتِ، تَشْكُو غَلَاءَ الوَقُودِ وَقِلَّةَ النَّفَقَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْعَارُ تَطِيرُ وَلَا تَتَدَلَّى، وَهُوَ يَسْبَحُ فِي الأُفُقِ الأَعْلَى!
فَانْبَرَى لِي دِيلُولُ وَقَالَ: “يَا غَازِلَ الكَلَامِ وَيَا سَاجِعَ الغَزَوَاتِ بِالأَقْلَامِ، إِذَا سَكَنَتِ الرِّيَاحُ ظَهَرَ جَوْهَرُ المِلاَحِ، وَإِذَا خَلَتِ السَّاحَةُ مِنَ الجَلَبَةِ بَانَتْ حِيلَةُ الكَتَبَةِ! فَاجْعَلْ مِنْ غِيَابِ خَبَرِ المُسَافِرِ هُوَ المُبْتَدَأَ وَالأَثَرَ، وَسَطِّرْ عَنْ حِكْمَةِ النَّاسِ حِينَ يَطُولُ بِهِمُ الانْتِظَارُ”.
فاسْتَفَقْتُ مِنْ حَيْرَتِي بَعْدَ مَقَالِهِ، وَعَجِبْتُ لِحُسْنِ جَوَابِهِ وَارْتِجَالِهِ، ثُمَّ رَفَعَ دِيلُولُ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَرْقُبُ طَوَّافَةً نُحَاسِيَّةً تَغْزُو الفَضَاءَ، وَتَحُوزُ المَغَانِمَ وَالرَّجَاءَ، وَتَطُوفُ فِي الآفَاقِ بَعِيداً عَنِ المَرَاقِبِ، ثُمَّ الْتَفَتَ مُبْتَسِماً وَقَالَ بِنَبْرَةِ العَارِفِ السَّاخِرِ:
«يَا عَجَبًا لِمَنْ يَطْلُبُ صَيْدَ السَّمَاءِ، وَيَتْرُكُ طَيْرَ الأَرْضِ فِي العَنَاءِ؛ يَصِيدُ فِي الهَوَاءِ طَائِراً مُتَوَارِياً، وَيَدَعُ طَائِرَ الأَرْضِ حَزِيناً خَاوِياً!»
ثُمَّ أَنْشَدَ مُجِيباً صَوْتَ المَحَافِلِ وَالمَوَاكِبِ:
مَارَ النَّحَاسُ بِأُفْقِ الجَوِّ مُرْتَحِلاَ … وَالدَّارُ تَلْتَحِفُ السِّلْوانَ وَالوَجَلاَ.
صَمْتُ الرَّئِيسِ عَمِيقٌ لاَ فُطُورَ بِهِ … كَأَنَّهُ المَوْجُ قَبْلَ العَصْفِ إِذْ نَزَلاَ.
يَطُوفُ خَارِجَ أَرْضِ الحَشْدِ فِي سَفَرٍ … وَالشَّعْبُ يَرْقُبُ فِي العَلْيَاءِ مَا حَمَلاَ.
أَذَاكَ هُرُوبٌ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي جَثَمَا؟ … أَمْ أَنَّهُ الغَيْثُ يَأْتِي بَعْدَمَا مَحَلاَ؟
تَبْقَى الحَنَاجِرُ غَصَّى فِي مَحَافِلِهَا … حَتَّى يَبِينَ نَهَارٌ يَطْرُدُ الكَسَلاَ.
المقامة الغزوانية الخامسة: صَمْتُ المَنَابِرِ وَتَرَقُّبُ الْمُسَافِرِ الْحَاضِرِ
القارئ الصوتي الذكي
استمع لهذه المادة بصوت طبيعي وواضح
الملخص الذكي
اضغط الزر لتوليد خلاصة المقال بالذكاء الاصطناعي.
تابع «صوت الحق» على هاتفك
مباشر--:--:--
وطنيةدوليةتحقيقاترياضةآراء
آخر الأخبار
أنا والرئيس.. أيُّنا أحقُّ بالعلاج في الخارج؟شهر واحد مضت
المقامة الغزوانيةالحلقة الثالثة عشرة: مَفَارَقَةُ الشِّفَاءِ وَعِبَرُ الدَّهْرِ لِلْقَضَاءِشهر واحد مضت
ولد الغزواني يستقبل نظيره السنغالي بمطار “أم التونسي” في توقف فني قادماً من أبوظبيشهر واحد مضت